أعمالي ناتجة عن اصطراع جسد الحضارة

 

حمل المعرض السابع للفنان العراقي الدكتور عبد المرسل الزيدي عنوان « تحت افياء التراث» الذي أقيم في مجلس الاعمال العراقي واهداه إلى روح الفنان رافع الناصري، ليالي عمان التقت الزيدي ليحدثنا عن مسيرته الفنية وتنوعها والعديد من المحطات.


ليالي عمان _ أيهم العتوم

 

جاءت تسمية المعرض حرصاً من الزيدي على إبراز التراث والشعبي والغنى الثقافي والمعماري والجذور التاريخية المشتركة المتأصلة بحضارة الشعوب العربية ليسحب هذه العناصر على لوحات تماهت بألوان ونماذج معمارية تعكس رؤيته العصرانية.

عندما بين الزيدي سبب اهداء المعرض لروح الفنان رافع الناصر بدى عليه لهفة الشوق لمبدع انتمى لكونية عالمية تنوعت اعماله بين الرسم والجرافيك وتدريس الفنون وترك بصمة بحركة التشكيل العالمية، صمت الزيدي لوهلة ليتلمس جغرافي الوجود والغياب في هذا المعرض ويحلق في فضاءات الابداع ليعبر عن عطاء الناصري وابداعه في 22 لوحة تنوعت بين الحجم الصغير والمتوسط.

وصف الزيدي الفنان رافع الناصري بأنه قليل الكلام كثير العطاء سكوته صرخة وجود الحركة التشكيلية العراقية العربية والكونية، حيث انتصب عملاقاً في المعارض العالمية وازاح الستار عن نوافذ مغلقة اطلت على ابعاد سماوات الوجود فاستحق جائزة الإبداع العالمي.

تظلل الزيدي في معرضه الذي اقيم في مجلس الاعمال العراقي ليكون تحت افياء الحضارة العربية الاخاذة التي اوجزها بلوحات توجتها القباب الاندلسية والطرز المعمارية الاسلامية والنخيل كرمزية تشتهر فيها العراق تأثر فيها الفنان، برع في المزج بين اللون والمكان والزمان والكلمة ليخرج بصيغة فنية تلتحم بصريا مع كل من يشاهدها.
يمتاز بانتمائه للفنون كافة وذلك بحكم أنه من أسرة عشقت الفن، وتخصص الزيدي في الفنون المسرحية ودرس الادب والنقد والاخراج في المسرح والاذاعة والتلفزيون، واستهل اول اعماله المسرحية في الستينات عندما انتمى إلى فرقة 14 تموز المسرحية في العراق وبعدها اتخذ من الفنون التشكيلية هواية إلى أن أصبحت حرفة.
وصف الزيدي أن الفنان ينبغي أن يكون صفياً لنفسه، صديقاً ودوداً لروحه ومسيرته، وبين قائلاً «أنا ولدت في عائلة فنية، فأبي كان مخرجاً مسرحياً وسينمائياً، هو فالح عبد العزيز الزيدي وله أربعة افلام تعتبر من البدايات في السينما العراقية، واخي الذي قتلته المتفجرات في احدى الشوارع الفنان كاظم الزيدي فكان ذلك ثالوثاً في هذه العائلة البسيطة ساهم في اثراء تجربتي الفنية في كينوتي والهمتني لأن أكون سليلهم الفني وأصبح خليط فرداني بين المسرح والفن والموسيقي.
يذكر أن هذا المعرض هو السابع واشترك بالعديد من المعارض العامة وأقام عدة معارض داخل العراق وخارجه وله العديد من المقتنيات في الكثير من دول العالم.
يعيش حالة من الصراع الابداعي مع الذات حيث أنه متأثر بما حوله من معطيات ظرفية أو سياسية أو إجتماعية أو إقتصادية لتفرض هذه التيارات حالة من ديمومة الصراع الداخلي والاصطرع الفكري الذي يستفزه لانتاج عمل فني ينتمي أو يعالج قضية من القضايا ويلتمس المتأمل لوحاته الكثير من الآراء الفكرية التي سحبها على الواقع السياسي ليس بالعراق فحسب بل لتشمل كل الوطن العربي.
ينجذب الزيدي إلى جمالية البيئة العربية عموماً والبيئة العراقية إلى الألوان الزاهية التي يستمدها من الطبيعة الخلابة والتراث الغني بمزيج لوني متفرد يستلهم منه حالة تشكيلية باللوحة تجمع أكثر من عنصر وبفكرة واحدة.

يرى أن الفنون عموماً بالوطن العربي مظلومة واجحفنا بحقها ولا نتخذ منها أداة للتعريف بنا وبحضارتنا وبذاتنا العربية، فنجد أنه يتم التخطيط في كل مجالات الثقافة إلا الفنون مما أبقاها على الهامش بجهود فردانية نمت وترعرت، ووجه الزيدي دعوة للحكومات العربية أن يكون الفن أداة للتعبير عن العصر والحضارة والتغيير وعن تعليم الافق الجمالي عند الفرد.
يمتاز الزيدي بتنوع واضح بأساليب الرسم وبتعدد المذاهب الفنية كالسريالية والتعبيرية والواقعية وغيرها ولكنه يميل للواقعية لأنها مفهومة، ويسعى من خلال لوحاته إلى أن ينمي ذوقا عاما لدى الفرد ويرفع من ذائقته الفنية وينقحها. اذ ينبغي ان يكون الفنان بمستوى المتلقي الثقافي ولا يعتلي عليه.
تحتوي لوحاته على كتابات عربية من ابيات شعرية وحكم تعبر عن انتماء الفنان وتمسكه بالعربية والنقد العربي والمسرحي ما دفعه للمزج بين الادب والرسم ويبين الزيدي وجدت في ذلك أن اللوحة إن حملت بيتاً شعرياً مؤثراً أو كلمة تكون ذات معنى مختلف للانسان، ليكون بذلك ربط بين ما نعشيه الآن وبين اللوحة التي يراها آمنة مستقرة ذات لون رائع واستقرار معماري، وذلك ما يريد ان يسقطه بجمالية اللوحة ويكون كل البشر آمنين وأحرار.

يذكر ان الزيدي عمل في الإذاعة مخرجاً وممثلاً ومعداً للبرامج وبعدها تدرب ودخل في مجال التخطيط الاذاعي والتلفزيوني وعرف عنه شغفه وحبه للاذاعة لانه يعتبرها كلمة وهدي للانسان تعبر عن كافة التجليات الإنسانية والعاطفية، وعمل ايضا ممثلا ومخرجاً في تلفزيون العراقي.

استطاع الزيدي ان يكشف عن مواهبة الفنية في السبعينات وقدم اعمالاً تشكيلية ذات استعارات تراثية واسلامية استلهمها من البنايات القديمة والمنمنمات العربية وزخارف مستمدة من التشكيلات الهندسية للتراث الاسلامي والبغدادي القديم.
علاقة الزيدي مع الفن التشكيلي تعود لزمن اقدم من التسعينات وهذا يتجلى بوضوح في تركيباته الفنية والتقنيات المنطلقة من روح اللوحة واحساس الفنان.

أقام الزيدي عدة معارض شخصية في العراق وخارجه، كما شارك في معارض تشكيلية جماعية عديدة، ويهتم بالشعر والموسيقى.

الفنان عبد المرسل الزيدي وبعد رحلة طويلة من العطاء الفني وبعد ان تجاوز السبعين قررالانصراف الى الكتابة لإكمال بعض الكتب التي أجل انجازها لفترة طويلة نظراً لإنشغاله في التدريس وهي مؤلفات في مجالات الرسم والشعر والنقد والمسرح. من بينها: فن الكتابة للإذاعة والتلفزيون، وتاريخ المسرح العالمي والعربي والعراقي، وأسماء وذكريات لفنانين عراقيين وهو تحليل نقدي لمسيرتهم الابداعية.

حصل على جوائز عديدة في مجال الحركة المسرحية والفنون التشكيلية ومنها «جائزة الفنانون التشكليون الشباب» وحصل على تكريم من الفنانين التشكلين الرومان، ولديه العديد من المساهمات والمشاركات والكتابات.
الدكتور عبدالمرسل الزيدي أكاديمي ومسرحي وفنان تشكيلي شغل في منتصف الثمانينات عميدا لكيلة الفنون الجميلة في جامعة بغداد.